حين قرأت سؤالك، تخيّلت أختي الصغيرة تطرق باب غرفتي بهدوء، وتُخبرني أن عيد ميلادها الـ 16 بعد أيام. أظنها لوهلة تُلمّح لرغبتها في هدية مختلفة، لكنها ببساطة تطلب نصيحتي.. فيرتجف قلبي!
إليكِ ما سأخبر(ها/كِ) به:
أكثر ما ستحتاجين إليه في هذا السنّ هو شخص يستمع إليكِ دون كللٍ أو ملل، سيكون لديكِ الكثير من الآلام التي لن يشعر بها أحدٌ سواكِ مهما حاولتِ شرحها. ستمتلكين بئرًا من الكلمات لا ينضب، وتحارين في ترتيبها ضمن جُملٍ مفيدة، وفي عالمنا اللاهث اليوم، سيكون من الصعب أن يستمع إليك أحد.. وخاصةً إن لم تتمكني من صياغة أفكاركِ جيدًا (وأغلب الظن أنكِ كذلك).
ربما أكون موجودًا آنذاك، لا أعدك.. ولكن -حتى إن كنت- فربما أعجز عن تخصيص بعض الوقت لكِ.
لذا، هاتي يدك..
سنذهب إلى .. الآب.
لطالما كنت مفتونًا بتصور المسيحية لخالق هذا الكون على أنه أبّ، وأحبّ تمثّل ذلك في قلبي.
لهذا السبب، كلما شعرت بالضيّق، أستلقي على الأرض، وأرفع بصري للسماء، ثم أخاطبه.
بماذا أخاطبه؟
علمت أن فتاة ذكية ستطرح سؤالًا بديهيًا كهذا.
دعيني أفاجأك فأقول: كنت لادينيًا، هل سمعتِ بهذا المصطلح من قبل؟ سألخصه لك: اللاديني هو شخص يؤمن بوجود خالق، لكنه يشكّ في حقيقة الأديان.
على كل حال، هذا ليس موضوعنا.
موضوعنا هنا، بِما كنت أخاطب الله حين كنت لادينيًا؟
الأمر بسيط، كنت أقول: لا أعلم إن كنتَ أرسلت محمدًا أو غيره، ولا تعنيني أي صيغة لدعاءٍ ابتكرها أتباع الأديان، فأنت أعظم من اللغة، وأعظم من البشر والحجر والشجر، فلا تحتاج لتزويق كلامٍ أو تفخيمه أو تبجيله.
أنت إلهي وخالقي، ولم تخلقني لتؤذيني، وأنا الآن أشعر بالألم، فهل ستتخلى عنيّ؟
كثيرًا ما كانت الإجابة -داخل قلبي- هي الإيجاب.. نعم! كان الله يتخلى عنيّ (بحسب فهمي البشري المحدود)، فيتركني أعاني..
ظننته كثيرًا يتلذذ بألمي، فكنت أتحداه! أتحدى ألمي بالطبع.
أجلس في زاوية الغرفة، أبكي لأتطهر.. أبكي بشدّة.. ثم أرفع بصري نحو السماء وأمسح دموعي بطرف قميصي السفلي، وأقول مستسلمًا: لتكن مشيئتك إذًا!
ثم أنهض،
أخيتي، هل لا زلتِ معي؟.. جيد.
ثم أنهض نحو أوراقي وقلمي مكسور القاعدة، أتعرى من مشاعري وأضعها أمامي على الورق، أخاطب الله في رسالة مكتوبة (ربما كان يفضّل الكلمات المكتوبة أكثر)، أحادثه بالعاميّة.. فأقول:
عمري ما زعلت منك، لأني بعرفك أديش بتحبني، أنا أبّ متلك.. وبعرف غلاوة الولد على قلب ابوه.. بس الفرق هون أنك عظيم.
أنا ابني بيطلب منيّ لعبة، بروح بجبلو إياها، بيوقع على الأرض .. فبيرتمى هو ودموعه على كتفي لطبطب عليه.
طيب، هلأ مو أنا ابنك؟ معلش ابكي أدامك؟
ثم تنتابني موجة ثانية من البكاء، فأبكي حتى تُبلل دموعي الورقة أمامي، وهنا.. تبدأ المُعجزة.
يُلقي الله السكينة على قلبي، بشكلٍ يُدهشني.. بل يفوق دهشتي بسنواتٍ كونية.
أشعر به سندًا ليّ..
في الواقع، أظنني بحاجة للحديث معه الآن!
تعمّدت ألا أنسّق هذه الإجابة، لألا تفقد تفرّدها.