صورة الملف الشخصي لـ م.طارق الموصللي

لم تُعجبكِ أي إجابة مما سبق، أليس كذلك؟ هذا لأن الجميع ينصح متجاهلًا ظروفنا في هذا البلد الجريح.

أول ما عليّ إخبارك به: لا أحد يمتلك إجابة شافية عن سؤالك، إنما هي مشاعل مُضيئة تنير لك الطريق إلى داخلك.. حيث يكمن الحلّ الوحيد.

وقبل أن أمنحكِ إحدى تلك المشاعل، دعيني أخبركِ بقصة لطيفة:

في زمنٍ ما، ملّ شاب الحياة ضمن مدينته الرتيبة، فحزم حقائبه وأخبر والده أنه قرر الهجرة إلى مدينة أخرى أكثر فرحًا، ليبدأ فيها حياته الجديدة. لم يُعلّق الأب على قرار ابنه، وتركه يمضي.

بعد سنة، وصلته رسالة من ابنه يقول فيها:

والدي العزيز، تحية طيبة وبعد،
أعيش الآن في مدينة جميلة، لكنها مملة أيضًا، كمدينتنا. لا أُنكر أنني استمتعت في شهور إقامتي الأولى، لكنها مع الوقت باتت رتيبة، كمدينتنا تمامًا. لذا، أفكر في السفر إلى مدينة أخرى.

أمسك الأب ورقة وقلم، وأرسل الردّ التالي:

ابني العزيز، تحية طيبة وبعد،
اشتقت إليك جدًا، وشعرت بحزنك منذ الكلمة الأولى، لكن اسمح ليّ هذه المرة أن أتدخل: حتى لو زُرت العالم أجمع، وسكنت في كل مدينة شهرًا، سيبقى الملل رفيقك. لأنك حين هجرتنا، أصطحبت معك الشيء الوحيد المسؤول عن مللك:
نفسك التي بين جنبيك.

أرجو ألّا تكون القصة زادت مللك أيضًا😳، فأنا أعلم أنها تبدو رتيبة للغاية، ومُباشرة في رسالتها. لذا سأروِ قصة أخرى:

يُحكى أن شابًا بسيطًا كان يسكن بلدًا تعيث الحرب فيه فسادًا، فقرر والده أن يُهاجر معه (وباقي إسرته) إلى بلدٍ ينعم بالأمن والأمان والفرص الجديدة. ثم ماذا حدث؟ 👈 تتمة القصة.

لكن القصة لم تنتهِ هنا، فذاك الشاب -الذي هو أنا كما اتضح لك- عاد إلى بلده.

هل أنت مجنون؟😲

ربما.. لست متأكدًا بعد. 🙄 ما أنا متأكد منه تمامًا هو الحكمة القابعة خلف القصة الأولى.
فأنا أعلم أن حُلم السفر يُدغدغ مخيلتك طوال الوقت🥺، ولا ألومك بالطبع. فكما يقول المثل:

العُشب أكثر اخضرارًا دائمًا في الجانب الآخر من السياج.

لكنني كنت على الجانب الآخر من السياج فعلًا. وأرى أن قائل ذاك المثل كان يخدعنا طوال الوقت!

سيكون من الحماقة إنكار أن الخدمات متوفرة هناك: الكهرباء - الغاز - ماء الشرب وغيرها.
لكن هناك أيضًا الكثير من العيوب، أقلّها شعور الغربة.

قبل أن تستهزئي بذاك الشعور قائلةً: سأعتاد الأمر، المهم أنني سأبدأ حياة جديدة. اسمحي ليّ أن أذكركِ بتجربة اختبرتيها بنفسك: اليوم الأول في المدرسة الجديدة.

كنتِ طفلة متحمسة، أخبرتِ والديكِ أنك متشوقة للمدرسة، جهزّتِ أقلامك ودفاترك وحقيبتك الملونة وثيابك الجديدة، ثم نمتِ محتضنةً لكل تلك الأشياء.
في الصباح، كنت أول من استيقظ، ارتديتِ ملابسكِ في لمح البصر، ووقفتِ تستعجلين والديكِ.
مضت السيارة في طريقها إلى المدرسة حتى وصلتم، وهناك.. وقف والداكِ يودعانك.. ثم عادا إلى المنزل.

الآن، هل تذكرين شعورك في تلك اللحظة بالذات، بعد أن غاب كل من تعرفينهم عن أنظارك؟
هل تذكرين رجفتك أمام "الباحة" الممتلئة بالأطفال: بعضهم يبكي والآخر يضحك وثالث يركض خلف صديقه؟
هل تذكرين دخولك "الصف" لأول مرة، وحيرتك أين تجلسين في محيطٍ تجهلين كل ما فيه، ورغبتك العارمة في العودة؟

ذاك هو شعور الغربة تقريبًا، مع فرق جوهري: سوء ذاك الشعور في البلد البعيد/خلف السياج أضعاف ما شعرتِ به في المدرسة.

لكن هل تعلمين ما يزيد الأمر سوءًا؟

أن تُسافري بغربة داخلية، تجهلين فيها مكنونات نفسك، وتعلقين سعادتك على أسبابٍ خارجية. سيكون الألم مضاعفًا.. صدقيني😔

تسألين:

هل يوجد شيء جميل يستحق العيش من أجله؟

سأكون منطقيًا، وأبتعد عن المبالغة فأقول: هناك 430 مليون شخص جميل يستحق العيش من أجله. أتحدث عن كل شخص عربي ينتظر مساعدتك في أمرٍ ما: بكلمة طيبة أو برسم ابتسامة -على وجهه- تصنع يومه.
إن شقّ عليكِ البحث وسط ذاك البحر الواسع من البشر، فربما بإمكاني تخفيض الرقم قليلًا ليُصبح:
بضعة آلاف. وهم أصحاب الاسئلة هنا في كيورا. جميعهم حائرون (مثلك).. مُتعبون (مثلك).. يبحثون عن سببٍ للعيش (مثلك).
مثلٌ آخر خاطئ:
فاقد الشيء لا يُعطيه. مَن قال ذلك؟!🤔

العكس هو الصحيح، فأنا الآن تصطك أسناني من البرد، ويتسلل الألم والملل إلى قلبي في أحيانٍ كثيرة. تدهسني الحياة كل حين بمصيبة أو مشكلة أعجز عن حلّها.

فهل شعرتِ بأي من هذا؟

[أثناء كتابة هذه الإجابة، توقفت خدمة الانترنيت فجأة! في الحقيقة، وجدته أمرًا مُضحكًا! الآن، سأدع هذه الإجابة معلّقة ريثما يعود]

والآن عادت. لنتابع إذًَا..

لم تشعري بأنني أقف معك في ذات الخندق، لأنني أردت ألا تشعري بذلك.
لأن معنى الحياة أن نزرع زهور الأمل في قلوب الآخرين. قلتها ألف مرة وسأزيدهنّ مرة: الحياة قصيرة، وهي تُمنح لنا مرة واحدة، لن يهتم أحد بآلامنا ومعاناتنا سوانا (حتى أهلنا تخلّوا عنّا في أول يومٍ من المدرسة، تذكرين؟)

والآن، دعيني اسألكِ سؤالًا بسيطًا: ما الذي يُميزنا -كبشر- عن باقي المخلوقات (حتى المخلوقات الفضائية)؟

لا، ليس العقل.. وإنما الخيال.

ما يُميزنا فعلًا هو قدرتنا على خلق عوالم خيالية نعيش داخلها، عوالم سُرعان ما يتحول أحدها إلى واقع. يبدو عالمنا الواقعي عصيًّا على التغيير، أليس كذلك؟ إذًا، لما لا نخلق عالمًا جديدًا؟

بالنسبة ليّ، كلما شعرت أن العالم يدفعني للجنون (وربما للانتحار)، لجأت للكتابة. وسأخبركِ عن الرحلة بالتفصيل:

ليلة مظلمة، لا كهرباء ولا (مازوت) للتدفئة، أعيش في بلدة جبلية يشتدّ فيها البرد حتى أن بخار الماء يخرج من فميّ.. داخل المنزل! هناك نصف كوب شاي بارد على طاولتي، والآن أفكر في النوم هربًا. إنما هناك مشكلة: أنا لم أُحبب الهرب يومًا. إذًا، ما هي الخيارات المتُاحة أمامي؟

رغم أنني أعجز عن ثني أصابعي من البرد، لكنني ألتقط القلم من على الطاولة وأجلس أمام الورقة الفارغة. لكن عمّا أكتب؟
"اكتب عن معاناتك" يُخبرني عقلي ببرود. أكتب بضعة جُمل ثم أتوقف.. ما الفائدة؟ من تُراه سيهتمّ إن كنت ضجرًا.. ساخطًا على هذا العالم؟ لا أحد!
إذًا، سأشطب ما كتبته…

لنبدأ من جديد،
تذكرت كيف خاطبني بائع الخضار أمس بـ "صِهري"، أعجبتني تلك الكلمة، هو يُخاطب الجميع بها مُعتبرًا جميع النساء في العالم أخواته، وهؤلاء الرجال -بمن فيهم أنا- أزواجًا لتلك النساء.
يصلني شعوره بالأخوّة الإنسانية، فتُضيء شعلة دافئة في قلبي، "سأكتب عنه" سأتخيل حياته منذ تضع زوجته أمامه فنجان قهوة الصباح، حتى يعود إلى حُضن أسرته ليلًا.
سأتخيل ضحكته على طرفة قالها ابنه الصغير، ورغم أنه سمعها من قبل، لكنه (جبر الخواطر يا سادة).

وهنا، أغرق في خيالاتي والعالم الذي صنعته.

تمتلئ الورقة حتى آخرها، ويمتلئ عالمي الذي صنعته بالحُب.
الغريب أنني لم أنتبه إلى برودة الشاي في الكوب! أظن دفء أصابعي -التي تكتب ذاك السحر- سخّنه قليلًا.

والآن يمكن أن أخلد إلى النوم بهناءة، بعد أن أزلت الهمّ من قلبي.

إياكم أن تناموا مع حزنٍ يُشارككم فراشكم، أتسمعونني؟!!

كلمة أخيرة:
لن يتشكل العالم يومًا وفق مقاسنا أو مزاجنا أو طموحاتنا، ولن نتقبّله نحن أيضًا. لذا، لنصنع عوالمنا بأنفسنا. اتفقنا؟

عرض 16 إجابة أخرى على هذا السؤال