ذكرتني بالذي مضى يا صديقي.
حين جئت إلى مصر هربًا من الحرب في بلادي، أخذت معي شهادتي الجامعية (بكالوريوس في الاقتصاد - جامعة دمشق)، وأما عن الخبرة، فأنا أعمل في مجال المحاسبة منذ كنت في السنة الأولى، وهو ما يُعادل 5 سنوات خبرة.

ظننت ذلك كافيًا لأدخل سوق العمل هنا، وبالفعل دخلته.. إنما بعد أن وضعت الشهادة وخبرتي داخل صندوقٍ أسود، لأعمل كمهندس صحة (عامل نظافة) في مطعم.
وبعدها عملت في معمل لإنتاج أكياس السُكر كعامل عادي، جنبًا إلى جنب مع أطفالٍ تخلو عن الدراسة منذ سنواتٍ عدة، وبفرقٍ بسيط: كانت رواتبهم تبلغ ضعف راتبي.

هل شعرت بالعار؟
لا أعلم، لكنني أذكر أنه لم يمرّ يوم لم أبكِ فيه! كنت حينها في الثالثة والعشرين من عُمري، شعرت أنني لا أستحق هذا المستقبل: غُربة وعمل في غير مجالي ونظراتٍ استهجان ممن حولي.

ثم جاء الفرج، حيث تشاركت مع شابٍ سوري وأطلقنا أول مشروعٍ تجاري: عربة لبيع الحلوى بالشوكولا (البراوزنيز- Brownies)

استأذنّا من صاحب مطعم أن نضعها أمام مطعمه (ظنًّا منّا أن زبونه سيخرج من مطعمه، ويشتري التحلية منّا) وذلك لقاء نسبة من المبيعات، ومرّ شهر .. ثم شهران.. والحال من سيء لأسوء: كنت أقف 12 ساعة (من 12 ظهرًا وحتى منتصف الليل) في الزمهرير لأبيع قطعة أو قطعتين آخر النهار.

قبل رأس السنة بيومين، جلسنا نخطط لافتتاح المحل (اعتقدنا أن مبيعات يوم رأس السنة كفيلة بتأمين رأس المال😏)، كَم بعنا في نهاية ذاك اليوم؟ 5 قطع فحسب!
لا زلت أحتفظ بسُترتي الممزقة التي كنت أرتديها يومها، لم يكن يسعفني الوقت لشراء سوستة "zipper
" لها. تخيّل!

تذكرة ضرورية: أنا خريج جامعة مع خبرة 5 سنوات!

حينها أدركنا أننا نُضيع مالنا، فتخليّنا عن المشروع بعد 3 أشهر.
ثم يشاء الله أن يُعجب صاحب المطعم بتفانيّ في العمل، فيطلب منيّ أن أعمل لديه، كمحاسب؟ بالطبع لا! وإنما كعامل صندوق "كاشير - Cashier". تلك الوظيفة التي يصفها موقع عين نيوز بالآتي:

أغلب ما يقبلون بهذه الوظيفة، هم طلبة الجامعات الذي يحتاجون إلى مصادر دخل إضافية لهم.

لكنني خريّج يا قوم!

بقيت أتحمّل سوء المعاملة، والتعالي من زملائي (وخفة دمّهم حين يأتونني مطالبين بوضع ثمن مشترياتهم من المطعم على الحساب!)، حتى جاء الوقت الذي عملت فيه كمحاسب.. بعد عامٍ كامل!

لماذا أروِ لك هذه القصة المملة؟

قبل أن أخبرك عن السبب، دعني أُطلعك على آخر مستجدات حياتي العملية:
أعمل حاليًا كمدون مستقل "حقيقي"، وأقصد هنا بكلمة "حقيقي" أي أنني أعمل بدوامٍ كامل يكفي لإعالة أسرة مكونة من 4 أشخاص.

وقد تخليت عن مجال دراستي -طوعًا هذه المرة- لأصل إلى هنا (تلك قصة أخرى).

وما أريد قوله باختصار:

  • لن تبقى في وظيفتك (الحالية) مدى الحياة، لا زلت في الـ 21 من عمرك (أي أنك لم تتجاوز خط البداية بعد)، وطالما كان عملك كافٍ لتلبية احتياجاتك فلا تتركه.. ولا تكرهه: لن أكذب عليك! ما تقوم به الآن يُشعرك بالخجل، وهو أمرٌ طبيعي، لأن لك نفسًا تبحث عن المجد. لكنك لا زلت تدرس يا عزيزي.. أي أن لا خيار أمامك سوى ما سأخبرك به الآن 👈
  • ابحث في وقت فراغك عن مهارة جديدة تتعلمها: هل تعلم أنني في بداية مسيرتي كمدون لم أكن أُدرك الفرق بين الفاصلة العربية والأجنبية؟ والآن، تصلني العروض لتقديم دورات في صناعة المحتوى!

هذا كل شيء لديّ، والبقية أودّ سماعها منك بعد 3 سنواتٍ من الآن. اتفقنا؟

عرض 43 إجابة أخرى على هذا السؤال