صورة الملف الشخصي لـ م.طارق الموصللي

بداية "لـيـان"، تُكتب "يسلمو" هكذا 😁؛ رأيتكِ تسألين عن هذه الجزئية، ثم غرقت في بحر اسئلتك التي تعكس شخصية رقيقة وعطوفة، باركك الله وبارك فيكِ.

وصراحةً، كنت متردد بعض الشيء في الإجابة على سؤالك. إذ لا أُتقن التعامل مع المراهقين. لكنني تشجعت بعد رؤيتكِ تبحثين عن شخص يرشدك ويخبرك ما تفعلين وعن الخطأ والصواب.

إذًا، سأبذل قصارى جهدي.

مَن أنتِ، ليان؟

ولا أريد إجابتكِ كفتاة في الـ 18، بل كطفلة حديثة الولادة. لو كنا في محادثة، لانتظرت إجابتكِ .. إنما اسمحي ليّ بالإجابة نيابةً عنكِ:

أنتِ روح طاهرة ونقية، نعمة من الله عز وجلّ لوالديكِ، وكيان يستحق الحب غير المشروط.
لكن حُب مَن؟
حبّك أنتِ لذاتك قبل أي شخصٍ آخر.

هل تعلمين أن نسختكِ الحالية (الموجودة على أرض الواقع) لا تختلف عن نسختكِ في حياتكِ الثانية المتخيلة؟

ربما تقولين: كيف؟

أرجوكِ .. ركزي معي ..
لدينا (ليان) -بالمناسبة معنى اسمك جميل- .. المهم .. لدينا فتاة اسمها (ليان)، لديها أفكار وتصرفات. ولكن ..

هل أفكار ليان تُعبر عن جوهرها؟ لا، لأن أفكارك تتغير مع نضجك في الحياة.

هل تصرفات ليان تُعبر عن جوهرها؟ أيضًا لا، لنفس السبب، تصرفات ليان ستتغير كلما تعرضت لتجارب حياتية مختلفة، وتعلّمت منها دروسًا وعِبر.

إذًا، ما الذي يُعبّر عن (جوهر ليان)؟ لا شيء أكثر من كونها روح طاهرة ونقية كما أسلفنا.
وهل تستحق هذه الروح الحُب أم الكره؟

أنتِ من سيُجيبني بعد قراءتك الآية الكريمة {فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ} (ص - 72)
ولأننا أبناء آدم، فذاك يعني أننا مكرّمون مثله، صحيح؟

إذًا، روحنا تستحق الحُب .. والحب فقط.

ارتكبتِ أخطاءً >> وسترتكبين دائمًا [وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ].

رؤيتك لنفسكِ في المنام أنكِ لا تُصلين، دليلٌ على رهافة حسّك.. وبالمناسبة، أودّ لو تتخلين عن فكرة تفسير الأحلام، لن تجدي من يفسّر لكِ الحُلم بدقة. اذهبي لأي صفحة في تفسير ابن سيرين، وستجدين للحلم تفسيراتٍ مُتضاربة. فلا تشغلي بالك بهذه المسألة. اتفقنا؟

ننتقل للقضية الأهم (والأكثر تكرارًا في اسئلتك): علاقتك الأسرية.

انهضي الآن وجهّزي كوب شاي/عصير؛ فالحديث طويل بعض الشيء..

جاهزة؟ على بركة الله.

أُصبت بالسرطان، وكانت والدتي توصلني إلى مكان تلقي جرعات الكيماوي، فعمّا كان يدور حديثها في السيارة برأيك؟ عن مشاكلها مع والدي.
تخيّلي التوتر الذي كان يُضيفه حديثها إلى توتري "بل وربما رُعبي" من الجرعات!!

حقدت عليها لشهور بعد شفائي، أعترف بذلك. ورأيت في تصرفها أنانية ونرجسية وعدم اكتراث بمشاعري.
تكرر ذلك طيلة 12 جلسة، أو بالأحرى أثناء طريق الذهاب/العودة. فأثناء الجلسة ذاتها .. كانت تُمضي الوقت على هاتفها (وذلك عِوض أن تجلس بجانبي وتمسك بيدي لتخفف عني).

هناك تفاصيل كثيرة حول هذه المسألة، ولكنني لا أريد تصديع رأسك بها. لذا سأنتقل إلى الخُلاصة.

ما رأيك بما فعلته والدتي؟

يبدو سيئًا، صحيح؟

لكن ماذا لو نظرنا للأمر من زاوية مختلفة

ماذا لو قلنا أنها كانت مصدومة مما يحدث، فلم تصدّق أن ذاك الابتلاء قد أصاب فلذة كبدها، وأرادت التخفيف عني وشغل تفكيري عن ألم جرعات الكيماوي، فأختلقت كل تلك الأحاديث؟

وماذا لو قلنا أنها لم تستطع تحمّل رؤية تعابير الألم على وجهي أثناء تلقي الجرعات، فقررت الانشغال بأمرٍ آخر، ريثما تزول الغمّة؟

ماذا لو رأيناها كـ إنسان طبيعي، لديه همومه ومشاكله الخاصة، ولا يستطيع نذر حياته للآخرين (كما تفترض الأسطورة عن الأمهات)؟

ليان، لو استطعنا التماس الأعذار للآخرين، لأصبحت الحياة أسهل بكثير..

فأخوكِ "الغليظ" مُراهق مثلك، يُعاني من الشتات والضياع كما تُعانين، وغياب والدكِ -رحمه الله- ترك داخله شرخًا كبيرًا .. ووالدتك، إن كانت تلاطفه وتتغاضى عن أخطائه، فلأنها -والله أعلم- تجهل كيف تتعامل معه.. فتحاول إتقاء شرّه .. بهذه البساطة! 👾

كما لا يُمكننا تجاهل تأثير الحرب على الجميع، وعيشكم في مخيم. شعور باللآمان ينعكس على تصرفات الجميع: بدءًا منكِ أنتِ (على شكل تشتت وتوهان وخوف من المستقبل)، لتظهر النسخة المعاكسة منكِ في أخوكِ ووالدتكِ (بالتصرفات المتشنّجة .. لن أقول العنيفة).
هل والدتكِ تُحبك؟ نعم .. وبالدليل؛
إمساكها بيدك أثناء عبور الطريق. هي تخاف عليكِ يا ليان .. وأعدك ستلمسين هذا الحُب في المستقبل. فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وطالما أنكِ بارّة بها.. فسترين كيف سييسّر الله أمركِ حين تستعصي الأمور على الآخرين.

.سؤال جانبي: هل سمعتِ مقولة ((زامر الحي لا يُطرب))؟

هو أحد الأمثال العربية القديمة، وهي تعني أن زمار الحي لا يطرب ساكنيه؛ وذلك لكثرة عزفه، الذي تتعود عليه الآذان، فيصبح حينها بلا قيمة لديهم؛ لأنه لا يقدم جديداً، ويضرب هذا المثل حينما يلقى المرء من جماعته تجهماً ونكراناً، ويشعر معهم بتدني القيمة وانعدام في التقدير.

ربما الآن يمكنكِ فهم لماذا لا يتوجب عليكِ نُصح تلك المرأة المتبرجة "المتمكيجة" ، أو لماذا غضب ذاك الشخص الذي ذكّرتيه بالصلاة. أتفهم أن منطلقكِ هو حُب الخير، و "الدين النصيحة"، إنما ماذا كانت نصائحك تزيد هؤلاء عِنادًا؟ أليس من الأجدى وقتها أن تتركي النصيحة لأهلها؟ 😉
أختي ليان، على عكس ما نتخيل: البشر ليسوا روبوتات تتغير بضغطة زرّ. ستكبرين وتتعلمين أن وراء كل "مظهر" نراه .. معتقدات مزروعة في اللاوعي. ربما ترغبين بمشاهدة فيلم
Inception؛ ستفهمين مقصدي تمامًا.

مررت أيضًا بسؤال تقولين فيه:

اتتني فكرة رائعة وهي سأغيب عاماً عن الدراسة وسأحفظ بهذه المدة القرآن وأتسجل بمكان لتدريس القرآن فكما نعتقد أن الدراسة مهمة فالقرآن أهم وسأكمل دراستي بعد حفظه فما رأيك هل أترك المدرسة ام أبقى فيها وأحاول حفظ بعض من القرآن؟

وهنا، تذكرت كيف أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم - زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ أن يتعلم لغة اليهود ليكاتبهم بها، كما يقرأ عليه كتبهم إذا وردت إليه، ويوضح للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرادهم.

وهذا خير دليل على فضل العلم الدنيوي لنصرة دين الإسلام. 😌

ولأننا من بلدٍ واحد -سوريا- فكلينا يعلم كيف سافر خيرة شبابنا خارج البلاد، ما يعني وجود نقص شديد في أصحاب الكفاءات. بمعنى: استمرارك في الدراسة اليوم على درجة بالغة من الأهمية.

وأخيرًا، إن لم تجدي صديقاتٍ لكِ على أرض الواقع، وإن كان أهلك لا يسمعونك، فيمكنكِ إيجاد آلاف الصديقات في فضاء الانترنت. ولا تقلقي.. ليس هناك ما هو سيئ في اتخاذك صديقات صالحات، حتى لو فرّقت بينكم المسافات. 😇

طاب يومك ليان.

عرض 6 إجابات أخرى على هذا السؤال